ابن الجوزي

307

صفة الصفوة

قال محفوظ بن أحمد الكلوداني ، قال لنا الشيخ الصالح أبو علي الحسن بن غالب الحربي سمعت أبا الحسين بن سمعون يقول : يا هذا أكرمتك لمّا عاملتك وصنتك لما نهيتك فمعاملتي لك كرامة ونهي لك صيانة كلفتك الصلاة ولعلمي بتوانيك لم أجعل لها وقتا واحدا ، جعلت لها أولا وآخرا وأنت تقول : الوقت واسع متى ما اتسع الوقت على عاقل ؟ أما علمت أن الأوقات على العقلاء أدق من ثقب الإبر تهتم لك كأني لست مولاك ، وتدع الاهتمام بك كأني لست مطالبك . أما علمت أنه إذا بدا النهار أطالبك بحق ملكي ، وإذا بدا الليل أطالبك بحق حبي . قال أبو علي وكنا جلوسا عند أبي الحسين بن سمعون في مجلسه فجاز قوم معهم كلاب الصيد فنبحت عليها كلاب الدرب فقال : سبحان اللّه كأن هذه حادثت هذه . فقالت هذه الأهلية لكلاب الصيد : يا مساكين رغبتم في نعيم الملوك فسوجروكم « 1 » ولو قنعتم بالمنبوذ مثلنا كنتم مخلّين . فقالت لها كلاب الصيد : خفي عليكم حالنا نحن رأوا فينا آلة الخدمة فحبسونا على الخدمة وقاموا لنا بالكفاية قالت الأهلية فالواحد منكم إذا كبر خلي وصار معنا قالت كلاب الصيد : لأنه قصر عما يجب عليه وكل من قصر فيما يجب عليه طرد . قال أبو علي وسمعت أبا سعيد أحمد بن المسك بن أحمد البزاز يقول : سمعت عمي محمد بن أحمد يقول : رأيت في المنام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في جامع الخليفة وإلى جانبه رجل مكتهل . فسألت عنه فقيل : هو عيسى ابن مريم روح اللّه وكلمته ، وهو يقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : أليس في أمتي الأحبار ؟ أليس في أمتي الرهبان ؟ أليس من أمتي أصحاب الصوامع ؟ قال : فدخل أبو الحسين بن سمعون فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : في أمتك مثل هذا ؟ فسكت وانتبهت . وعن أبي طاهر محمد بن عليّ العلاف قال : حضرت أبا الحسين بن سمعون يوما في مجلس الوعظ ، وهو جالس على كرسيه يتكلم وكان أبو الفتح بن القواس جالسا إلى جنب الكرسي فغلبه النعاس فنام فأمسك أبو الحسين عن الكلام ساعة حتى استيقظ أبو الفتح ورفع رأسه . فقال له أبو الحسين : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في

--> ( 1 ) أي شدوكم بالساجور ، والساجور هو خشبة تعلق في عنق الكلب .